أبي حيان التوحيدي

239

المقابسات

والفساد ، وأغنى عن ضروب الاجتهاد والاستدلال ، والروية ألصق بكمال الجوهر وأشد تصفية للطينة من الكدر ثم قال : والروية والبديهة تجريان من الانسان مجرى منامه ويقظته ، وحلمه وانتباهه ، وغيبته وشهوده ، وانبساطه وانقباضه ، ولا بد من هاتين الحالتين ، ومن ضعف فيهما فاته الحظ المطلوب في الحياة والثمرة الحلوة من السعي . فقال : ليس حكمهما في اللسان اظهر من حكمهما في القلب ، فإن للقلب بديهة بالسانح ، وروية بالاستقرار ، أحدهما في حيز الهيولى [ والثاني ] في حيز الصورة . ولما كان الانسان متقوما بهما كانت نسبته فيما يفرغ إليه على حد حصته فيما تأهل عليه ثم قال : على الانسان حالات بحسب المواد الحاضرة والأسباب المؤثرة والقابلة ، تعتدل بديهته ورويته فيها ، أو يسبق أحدها ثم يستمر ذلك الاستمرار ولا يدوم ذلك السبق ، وهما قوتان آلهيتان إلا أن إحداهما متصلة [ به ] والأخرى واصلة إليه ، وليس كل متصل به ينفصل بسهولة ، ولا كل واصل اليه [ يصل ] بسرعة ثم قال له في هذا الموضع أبو زكريا الصيمري : الكمال عزيز ؟ قال له : أو تدرى لم ؟ قال : أفدنا أبقاك اللّه على عادتك ولا تندمنا نقصنا بمطالبتك . قال : لأن الكون والفساد واسطة لهما ، فالمقوم بهما لا كمال له ، لأن الكمال في الوسط لا في الطرف ، ولكن ليس الرقىّ كالهوىّ ، ولا الهبوط كالصعود ، ولا ما يزان به مثل ما يشان به ، ولا ما نعذب به مثل ما نثاب عليه ، إنك لعلى جدد لو كان لي منك مدد . واندفع في هذا وشبهه حتى فرق بينه وبيننا المساء ، فسقى اللّه تيك الساعات التي كانت تتضمن بهذه الراحات ، انظر إلى بقاياها المرسومة بالخط ، المدونة بالقلم ، المحكية باللفظ ، واللّه إن مساربها في النفس والعقل والروح كانت تنسى كل